القرطبي
387
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( إن يدعون من دونه ) أي من دون الله ( إلا إناثا ) ، نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام . و ( إن ) نافية بمعنى ( ما ) . و ( إناثا ) أصناما ، يعني اللات والعزى ومناة . وكان لكل حي صنم يعبدونه ويقولون : أنثى بني فلان ، قاله الحسن وابن عباس ، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى ( 1 ) للسدنة والكهنة ويكلمهم ، فخرج الكلام مخرج التعجب ، لان الأنثى من كل جنس أخسه ، فهذا جهل ممن يشرك بالله جمادا فيسميه أنثى ، أو يعتقده أنثى . وقيل : ( إلا إناثا ) مواتا ، لان الموات لا روح له ، كالخشبة والحجر . والموات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لا تضاع المنزلة ، تقول : الأحجار تجبني ، كما تقول : المرأة تعجبني . وقيل : ( إلا إناثا ) ملائكة ، لقولهم : الملائكة بنات الله ، وهي شفعاؤنا عند الله ، عن الضحاك . وقراءة ابن عباس ( إلا وثنا ) بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس ، وقرأ أيضا ( وثنا ) بضم الثاء والواو ، جمع وثن . وأوثان أيضا جمع وثن مثل أسد وآساد . النحاس : ولم يقرأ به فيما علمت . قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري - حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ : ( إن يدعون من دونه إلا أوثانا ) . وقرأ ابن عباس أيضا ( إلا اثنا ) كأنه جمع وثنا على وثان ، كما تقول : جمل وجمال ، ثم جمع أوثانا على وثن ، كما ( 2 ) تقول : مثال ومثل ، ثم أبدل من الواو همزة لما انضمت ، كما قال عز وجل : ( وإذا الرسل أقتت ( 3 ) ) من الوقت ، فأثن جمع الجمع . وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ( إلا اثنا ) جمع أنيث ، كغدير وغدر . وحكى الطبري أنه جمع إناث كثمار وثمر . حكى هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبو عمرو الداني ، قال : وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حياة . قوله تعالى : ( وان يدعون الا شيطانا مريدا ) يريد إبليس ، لأنهم إذا أطاعوه فيما سول لهم فقد عبدوه ، ونظيره في المعنى : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ( 4 ) ) أي أطاعوهم فيما أمروهم به ، لا أنهم عبدوهم . وسيأتي . وقد تقدم اشتقاق لفظ الشيطان . ( 5 ) والمريد :
--> ( 1 ) في ج : وأتى مع كل منهم شيطان يتزايا الخ . وفى ط : شيطانة تتزايا . وفى ز : ( شيطانة تغر ) أي السدنة الخ . ( 2 ) من ج وط . ( 3 ) راجع ج 19 ص 155 ( 4 ) راجع ج 8 ص 119 ( 5 ) راجع ج 1 ص 90